الأخبار المحلية
الشتاء يعمق مأساة النازحين في الشمال السوري

رغم مرور أكثر من عام على سقوط نظام البعث الذي حكم سوريا لنحو 61 عامًا، لا تزال تداعيات جرائمه، تلقي بظلالها على نحو مليون نازح يسكنون الخيام شمالي البلاد، وهي مأساة تتفاقم، في فصل الشتاء.
هؤلاء النازحون هُجّروا قسرًا من منازلهم قبل سنوات بفعل القصف والدمار الذي انتهجه نظام بشار الأسد المخلوع، واضطروا إلى العيش في مخيمات أقيمت على عجل في ريفي إدلب وحلب شمالي البلاد.
ومع حلول فصل الشتاء، تتحول هذه المخيمات إلى ساحة كفاح يومي من أجل الصمود في وجه البرد القارس، والثلوج، وانعدام أبسط مقومات الحياة.
في ريفي إدلب وحلب، يعيش قرابة مليون نازح موزعين على ألف و150 مخيمًا، منها 801 مخيم في إدلب و349 في ريف حلب، بحسب معطيات ميدانية.
النازحون، الذين دُمّرت منازلهم خلال سنوات الحرب ولم يتمكنوا من العودة إلى قراهم حتى اليوم، يجدون أنفسهم في مواجهة شتاء قاسٍ داخل خيام مهترئة لا تقي من البرد ولا تصمد أمام الأمطار والثلوج.
وتزداد الأزمة تعقيدًا مع العجز شبه الكامل عن تأمين وسائل التدفئة، إذ لا تكفي أجور العمل اليومي المتواضعة لتغطية تكاليف الوقود أو الحطب.
وفي حين يبلغ سعر طن الحطب نحو 210 دولارات، لا يتجاوز الدخل الشهري للعامل اليومي في المخيمات ما يعادل 272 دولارًا، وهو مبلغ بالكاد يكفي لتأمين الغذاء الأساسي، ما يدفع العائلات إلى حرق كل ما يقع في أيديها من بلاستيك أو أقمشة أو مخلفات للتدفئة، رغم المخاطر الصحية الكبيرة.
** خيام تنهار
في أحد المخيمات ببلدة كلي شمالي إدلب، يروي أحمد ناصر، وهو نازح يقيم مع عائلته في خيمة، تفاصيل ليلة قاسية عاشها مع أطفاله بسبب الثلوج الكثيفة.
وفي حديثه للأناضول، يقول إن شدة البرد وتساقط الثلوج فاقما معاناتهم، موضحًا أن ثقل الثلج أدى إلى انهيار سقف الخيمة فوق رؤوسهم أثناء الليل.
ويضيف ناصر أن الأطفال نجوا بأعجوبة، إلا أن جميع الأغطية والمفروشات تبللت بالمياه، ما زاد الوضع سوءًا.
وتفتقر الخيمة إلى أبسط مقومات العيش الكريم، حيث يخرج الأطفال في ساعات الصباح الباكر بحثًا عن أي شيء يمكن استخدامه كوقود، يواصل ناصر حديثه.
ويمضي قائلًا: “نشعل المدفأة ساعة أو ساعتين فقط في اليوم، بالكاد لندفئ الخيمة قليلًا، فلا نملك ما يكفي لإبقائها مشتعلة أكثر من ذلك”.
** وضع مأساوي
وفي مخيم ببلدة معارة النعسان في ريف إدلب، تصف آلاء يوسف وضع عائلتها بأنه مأساوي، وتقول إنها تعيش مع أطفالها السبعة في خيمة بالكاد تقف على أعمدتها، مشيرة إلى أن أبناءها يقضون يومهم في البحث عن نايلون أو مواد قابلة للاحتراق للتدفئة.
وتروي يوسف للأناضول أن خيمتهم انهارت أيضًا أثناء الليل بسبب تراكم الثلوج، مشيرة إلى أن أي جهة إغاثية لم تقدم لهم المساعدة، وأن العودة إلى قريتهم غير ممكنة لأن منازلها دُمّرت بالكامل.
وتضيف أن المدفأة لا تُشعل إلا لفترة قصيرة جدًا عندما تنخفض درجات الحرارة إلى مستويات لا تُحتمل.
** “نحرق أي شيء”
أما فاطمة، المعروفة بـ”أم عدي”، من مخيم كرناز، فتقول إن عائلتها لم تتمكن من العودة إلى قريتها بسبب الدمار الواسع الذي طال المنازل.
وتوضح أنهم يحرقون أي شيء يجدونه من أقمشة أو بلاستيك للتدفئة، رغم أن ذلك يؤدي إلى امتلاء الخيمة بالدخان الخانق.
وتشير إلى أن أفراد العائلة يضطرون إلى الخروج مرارًا خلال الليل لإزالة الثلوج والمياه المتراكمة فوق الخيمة، خوفًا من انهيارها.
وتقول: “نقضي ليالي طويلة في تنظيف الثلج عن الخيمة. نعيش أيامًا قاسية جدًا، وكل ما نتمناه هو العودة إلى بيوتنا وإعادة بنائها”.
بدوره، يشير نازح آخر يُدعى وليد حموي إلى أن الليالي في المخيم شديدة البرودة، وأن خيمته انهارت أكثر من مرة بسبب الثلوج، مشيرًا إلى أنهم يحرقون كل ما يمكن إشعاله للبقاء على قيد الحياة.
وفي ظل هذه الظروف، تتجدد مطالب النازحين بتكثيف الدعم الإنساني، وتأمين حلول مستدامة تتيح لهم العودة إلى قراهم أو توفير مساكن تقيهم قسوة الشتاء، بعدما تحولت الخيام من ملاذ مؤقت إلى معاناة مفتوحة بلا أفق واضح.
من جانبه، قال محافظ حلب عزام غريب، في تصريحات صحفية قبل أيام، إنه يجري العمل على إنهاء واقع المخيمات وإعادة الأهالي إلى قراهم ومدنهم خلال عام 2026.
وشدد على أن هذه التوجيهات تأتي استناداً إلى تعليمات الرئيس السوري أحمد الشرع، مع الالتزام الكامل بتحقيقها خلال العام الجاري.
ولفت إلى أن فرق المحافظة زوّدت مخيمات حلب بقوافل من المساعدات ضمن خطة استجابة طارئة تضمنت مواد التدفئة والخدمات الأساسية.
الأناضول



