السويداء في ظل الانهيار الأمني: موجة نهب ممنهجة تجتاح المؤسسات العامة والخاصة

في ظل حالة الفوضى الأمنية المتصاعدة وسيطرة المجموعات المتمردة في محافظة السويداء، تتواصل عمليات نهب وسرقات ممنهجة تستهدف المؤسسات العامة والخاصة والبنية التحتية الحيوية، مما يعمق جراح المجتمع ويفقد المحافظة آخر مقومات الحياة والعمران.
وفي الصدد، تكشف تقارير ميدانية عن مشاهد صادمة لمجموعات متمردة تتحرك تحت مسمى “الحرس الوطني”، وهي تقوم بعمليات تفكيك ونهب منظم شملت مستودعات المحروقات الاستراتيجية في عريقة، حيث سُلب ملايين اللترات من الوقود، ومطحنة أم الزيتون التي أفرغت من آلاف الأطنان من القمح، ومنشأة دواجن القريا التي جردت من قطعانها وأعلافها ومعداتها، كما تعرضت مؤسسة الإنشاءات العسكرية لنهب ضخم لمعداتها الثقيلة ومواد البناء المخزنة فيها.
وتأتي هذه العمليات في إطار حملة سطو منهجي لم تسلم منها حتى مرافق الدولة الخدمية، حيث تمت سرقة كل الأجهزة التقنية من مبنى الهجرة والجوازات، وتعرضت المدينة الرياضية لعملية تفكيك كاملة.
كما لم ينجُ القطاع الخاص، فمعامل مثل عصير الجبل وزنوبيا للسيراميك وسجاد السويداء تعرضت لسرقة خطوط إنتاجها وآلاتها وموادها الأولية، حتى القطاع المالي تم استباحته، مع سطو مسلح على المصرف التجاري في شهبا.
هذا المناخ من انحسار سيطرة القانون وانتشار السلاح غير المنضبط يخلق بيئة خصبة لاستباحة كل شيء، حيث تمتد الأيدي الآثمة إلى عصب الحياة اليومية، فتُسرق كابلات الكهرباء والمحولات من القطاع الكهربائي، وتُنهب كابلات الاتصالات، وتُستهدف غاطسات الآبار وكابلات الضخ في قطاع المياه بشكل متواصل، وخاصة في المناطق الريفية.
جريمة ضد المستقبل
تشكل هذه العمليات جريمة مزدوجة بحق المجتمع والدولة معاً؛ فهي تبدأ بفراغ السلطة وتنتهي بتفكيك كل ما يمكن أن تقوم عليه سلطة أو حياة كريمة، وهذا يؤكد أن السكان يعانون ليس فقط من انعدام الأمن، بل من فقدان مقومات حياتهم الاقتصادية والخدمية الأساسية، وضياع أي أمل في عودة الحياة الطبيعية أو إعادة الإعمار.
ولا تأتي هذه السرقات من فراغ، بل هي جزء من مشهد انهيار شامل تتصاعد وتيرته بشكل خطير، كما تُظهره الجرائم اليومية المنظمة التي تحولت فيها السويداء إلى سوق مفتوح لبيع ممتلكات الشعب العامة والخاصة.
تداعيات كارثية على الوجود والمستقبل
تظهر هذه السرقات المنظمة تداعيات إنسانية واقتصادية عميقة تتجاوز الخسارة المادية المباشرة، إنها تقطع شريان الحياة عن المحافظة وتدمر إمكانية أي نهوض مستقبلي، فمن يفكر في المستقبل بينما تُسرق محولات الكهرباء وتُقطع كابلات المياه وتُدمر خطوط الإنتاج؟ لقد تحولت الخسائر من أرقام إلى واقع مرير يتمثل في ظلام دائم وعطش متواصل وانهيار لكل نشاط اقتصادي.
وهذا الواقع يزيد من اعتماد السكان على المساعدات في وقت تصل فيه تلك المساعدات بصعوبة، مما يخلق أزمة إنسانية حقيقية تهدد الاستقرار الاجتماعي نفسه.
ضرورة تدخل عاجل وحاسم
مشاهد النهب هذه، إلى جانب الدمار الشامل للبنية التحتية، هي صرخة استغاثة مدوية تفضح عمق الانهيار في محافظة السويداء، وهي تؤكد الحاجة الماسة ليس فقط إلى مساعدات إنسانية عاجلة وشفافة، بل إلى استعادة سيطرة الدولة وسلطة القانون بشكل عاجل وفعّال.
إن إنقاذ ما تبقى يتطلب نزع سلاح جميع الميليشيات والتشكيلات المسلحة غير الشرعية، وإقامة آلية قضائية وأمنية مستقلة لمحاسبة الجناة واستعادة الممتلكات المسروقة، ووضع خطة طارئة لحماية المرافق الحيوية المتبقية.
وتؤكد هذه الأحداث أن الوضع في السويداء عند نقطة اللاعودة، وهو يتطلب بسط سيطرة الدولة على كامل المحافظة بوصفها الضامن الوحيد لعودة الاستقرار والأمن للمحافظة، قبل أن تتحول المحافظة بالكامل إلى أرض محروقة ليس فقط بفعل القتال، بل بفعل السرقة المنظمة لكل ذاكرة الحياة والكرامة والإمكانية فيها.



